المشروبات الكحولية "أكثر خطرا" على صحة النساء

تأریخ التحریر: : 2018/6/21 23:341081 مرة مقروئة
[أين-متابعة]
اكد الباحثين المعنيين بدراسة انتشار الكحول وأنماط استهلاكه لاحظوا مؤخرا أن زيادة الحملات الترويجية للمشروبات الكحولية الموجهة للنساء وتغير الأدوار النمطية للجنسين في المجتمع أسهما في ارتفاع معدلات تناول الخمر بين النساء.
وأوضحت دراسة عن عادات استهلاك الخمر أن النساء اللائي ولدن في الفترة ما بين 1991 و2000 يستهلكن نفس الكميات من الخمر التي يستهلكها نظرائهن من الرجال، وأشارت أيضا إلى أن معدلات استهلاك النساء للخمر آخذة في الارتفاع وربما تتخطى الرجال قريبا.
وبالتوازي مع زيادة استهلاك النساء للخمر، زادت معاناتهن من أضرارها. إذ كشفت إحصاءات المركز الأمريكي الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها عن ارتفاع معدلات الوفاة الناتجة عن الإصابة بتليف الكبد، في الفترة بين عام 2000 و2015، بين النساء في عمر 45 إلى 64 عاما بنسبة 57 في المئة، بينما لم ترتفع لدى نظرائهن من الرجال إلا بنسبة 21 في المئة فقط.
كما ارتفعت هذه المعدلات لدى النساء في عمر 25 إلى 44 عاما بنسبة 18 في المئة، بينما انخفضت لدى الرجال في نفس الفئة العمرية بنسبة 10 في المئة.
وشهدت أقسام الطوارئ بالمستشفيات زيادة كبيرة في أعداد النساء البالغات جراء تناولهن لجرعات زائدة من الكحول، وأصبحت أنماط تعاطي الكحول بكميات تضر بالصحة أكثر شيوعا بين النساء.
لكن هذه الأضرار الصحية لا ترجع إلى الإفراط في الشراب فحسب، إذ لاحظ الباحثون في الآونة الأخيرة أن تأثير الخمر على النساء يختلف عن تأثيرها على الرجال.
واكتشف العلماء أن النساء لديهن كميات أقل من إنزيم يدعى "نازع هيدروجين الكحول" [ديهيدروجيناز]، وهذه الإنزيمات يفرزها الكبد لتحلل الكحول في الجسم.
ولأن مستويات الدهون لدى النساء أعلى منها لدى الرجال، ونسب المياه في أجسامهن أقل مقارنة بالرجال، فإن الخمر يحدث تغيرات فسيولوجية كبيرة لدى المرأة.
وتحتجز الدهون الكحول، بينما يساعد الماء في توزيعه في الجسم.
وتقول داون شوغارمان، أستاذة علم النفس بكلية الطب جامعة هارفاد وخبيرة بعلم النفس العيادي لعلاج الإدمان بمستشفى ماكلين في بيلمونت، بولاية ماساتشوستس"هذه الاختلافات في الاستجابة للمشروبات الكحولية بين الرجال والنساء أدت إلى زيادة المشاكل الصحية ذات الصلة بتعاطي الكحول لدى النساء".
ومع أن أغلب النساء اللائي يدمنّ الخمر يبدأن في احتسائه في سن متقدمة عن الرجال، فإنهن يقعن في براثن الإدمان في وقت أقل. فضلا عن أن متعاطيات الكحول أكثر عرضة من الرجال للإصابة بأمراض الكبد والقلب والأعصاب وأسرع تأثرا بها.
غير أن هذه الاختلافات في تأثير الكحول على الجسم بين الجنسين لم تُكتشف إلا في العقود الأخيرة الماضية. إذ نشرت أولى الدراسات عن الاختلافات في نسب إنزيم "نازع هيدروجين الكحول" بين الجنسين في عام 1990 على سبيل المثال.
وكانت جميع الدراسات السريرية تقريبا عن تعاطي الكحوليات تُجرى على الرجال فقط حتى تسعينيات القرن المنصرم
وحتى تسعينيات القرن المنصرم، كانت جميع الدراسات السريرية تقريبا تُجرى على رجال. ويعزى ذلك إلى أسباب عديدة، منها أن العلماء كانوا يستبعدون المتغيرات التي قد تؤثر على نتائج التجارب، مثل النوع الاجتماعي. ولأن إدمان المسكرات كان يعد من المشاكل التي تخص الرجال أكثر من غيرهم، فلم يهتم أحد بدراسة أثر الإفراط في شرب الخمر على المرأة.
ولكن كل هذا تغير بعد أن أصدرت مؤسسات حكومية مثل المعهد الوطني الأمريكي للصحة توجيهات بأخذ النساء والأقليات في الاعتبار عند إجراء الأبحاث السريرية. ومنذ ذلك الحين، تتناول الأبحاث الطبية الاختلافات الفسيولوجية بين الجنسين.
وتقول شارون ويلسناك، طبيبة نفسية وأستاذة العلوم السلوكية بكلية الطب والعلوم الصحية بجامعة داكوتا الشمالية"لم ينشغل الباحثون في الماضي بالمرأة، وكانوا يزعمون أن نتائج الدراسات التي أجريت على الرجال ستنطبق على النساء".
وقد كتبت ويلسناك رسالة الدكتوراة بجامعة هارفارد في مطلع السبعينيات عن المرأة والكحوليات، وأجرت مع زوجها، وهو عالم اجتماع، أول دراسة قومية مطولة عن أنماط استهلاك المرأة للخمر.
وخلصت الدراسة إلى نتائج عديدة، كان أبرزها أن أكثر النساء اللائي يعاقرن الخمر تعرضن لاعتداءات جنسية في الطفولة، وهذا الفارق بين الجنسين أصبح من العوامل الحاسمة لمساعدة النساء في الإقلاع عن تعاطي الكحوليات.
وفي مطلع الألفية الثالثة، أوضحت مسوحات أدمغة مدمني الكحوليات أن أدمغة النساء بدت أكثر تأثرا بالمسكرات من أدمغة الرجال.
لكن مارلين أوسكار، أستاذة التشريح وعلم النفس العصبي بكلية الطب، جامعة بوسطن، فحصت أدمغة مدمني خمر قدامى، ولاحظت أن مراكز المكافأة لدى مدمني الخمر أصغر منها لدى غير مدمني الخمر من الذكور.
وهذه المنطقة من الدماغ التي تتكون من أجزاء من الجهاز الحوفي والقشرة الجبهية ترتبط بالتحفيز، وتقوم بدور كبير في صنع القرار وفي المساعدة على النجاة من المخاطر.
إلا أن بيرمان لاحظت أن تلك المنطقة أكبر لدى مدمنات الخمر منها لدى غير المدمنات، ما يدل على أن أدمغتهن كانت أقل تضررا من أدمغة نظرائهن من الرجال.
وتقول أوسكار بيرمان "هذه النتائج تضرب بجميع النتائج السابقة عرض الحائط، لأنها تتعارض مع الفكرة السائدة التي تفيد بأن المرأة أكثر تأثرا من الرجال بأضرار المشروبات الكحولية على الدماغ".
وتقول شوغارمان إن هذه النتائج تثبت أهمية إجراء دراسات عن الكحول والإدمان تأخذ في الاعتبار الاختلافات الفسيولوجية بين الجنسين، مشيرة إلى بحث أجري مؤخرا يبين أن مدمنات الكحول يستجبن للعلاج بصورة أفضل عندما يكنّ وسط مجموعات من النساء فقط، حيث يتعرفن على الفروق بين الجنسين التي تجعل المرأة أكثر عرضة للإدمان والعوامل التي تدفع المرأة إلى احتساء الخمر.
إذ أظهرت دراسات أن معظم النساء يحتسين الخمر للتغلب على الجروح النفسية، بينما يرتبط احتساء الرجال للخمر بالتأثر بالصحبة والسعي لمجارات الأصدقاء.
وتقول شوغارمان"بعض النساء عولجن من إدمان الكحول من خمس إلى عشر مرات من قبل، ولكنهن قلن لي إن 'هذه المعلومات لم يسمعن بها من قبل'".
وبالنظر إلى هذه الاختلافات في الدوافع التي تحمل النساء على احتساء الخمر والعوامل البيولوجية التي تجعل النساء أكثر تأثرا بالمسكرات ولا سيما العلاقة الوثيقة بين إدمان الكحول وبين التعرض للصدمات، فإن احتياجات النساء تستدعي الدراسة عند البحث عن سبل للعلاج من إدمان الكحوليات.
وقد لا تشعر النساء اللائي تعرضن لاعتداءات جنسية في الماضي بالأمان إذا تلقوا العلاج وسط المجموعات المختلطة، التي قد تصل فيها نسبة الرجال إلى 70 في المئة. ولعل وجودهن بين النساء والاستماع إلى تجاربهن قد يشعرهن بالاطمئان ويفيد في علاجهن من الإدمان.
لكن مهما اختلفت أساليب العلاج، فإن الخبراء يؤكدون أنه قد مضى العهد الذي كان الباحثون فيه يجرون الأبحاث عن إدمان المشروبات الكحولية على الرجال فقط ويفترضون أن نتائجها ستنطبق حتما على النساء.
طبع الصفحة PDF